حسن الأمين

75

مستدركات أعيان الشيعة

الخليل بن أحمد الفراهيدي : مرت ترجمته في موضعها من الأعيان ، ونضيف إلى ما هنالك هذه الدراسة : هو رائد المعجمات الأول في العربية الذي ابتكر : التأليف المعجمي ، واخترع المنهج الذي اتبعه ، واخترع في ترتيب مواده سبيلا بكرا هداه إليه اشتغاله بالموسيقى ، فكان السابق في هذا المضمار دون منازع ، فهو أول من جمع اللغة في معجم جدير بهذا الاسم . وكان الخليل عبقريا بعيد الأفق ، عليما واسع العلم والثقافة ، ومخترع علم الموسيقى العربية . وجمع فيه أصناف النغم ، وهو أول من جمع اللغة ، وأول من ابتكر المعجم العربي ، وبعض العلوم الرياضية ، وما عرف في عصره أذكى منه وأعلم وأعف وأزهد . وأعانه فهمه للإيقاع والنغم على ابتكار طريقة جديدة في « العين » ، وعلمه بالموسيقى حمله على أن يختط طريقة في معجمه ناظرا إلى الأصوات اللغوية ومخارج الحروف ، فبدأ بحروف الحلق لأن الحلق أبعد مخارج الحروف ، وهكذا صنع سلمه اللغوي صاعدا فيه من أقصى الحلق حتى ينتهي إلى الشفة ، وجعل ترتيب معجمه على الحروف بحسب المخارج ، وقد كان موفقا في منهجه ، فتمييز الحرف بالصوت أوضح من الكتابة . كتاب العين منهج الخليل في العين منهج هداه إليه اشتغاله بالموسيقى والأنغام ، وساعده كثيرا ذهنه الرياضي وعقله الكبير وعبقريته التي لم تشهد العربية لها مثيلا إلا نادرا ، ويكفي للدلالة على مواهبه الفذة أنه ابتكر قواعد علم لم يدع لمن بعده فيه مجالا ، بل ابتكره كاملا ، وذلك علم العروض ، واخترع علم النحو ، واخترع علم الموسيقى العربية ، فلا غرابة على هذا الذهن الجبار أن يكون أول مبتكر للمعجم العربي . وهذا المنهج قائم على الصوت ، لأنه أوضح في التمييز والدلالة على مخرج الحرف من الكتاب ، فإذا كتبنا هذه الكلمة ( نفر ) دون نقط تعذر على القارئ أن يقرأه كما أراد الكاتب ، أما النطق فلا يخطئه ، وفي العربية خمسة حروف ذات صورة واحدة إذا لم ننقطها ، فالباء والتاء والثاء والنون والياء في أول الكلمة ووسطها ذات صورة واحدة . ولعل إيثار الخليل هذا المنهج يعود إلى رغبته في تمييز الحرف بالصوت لأنه أقوى دلالة وأكثر وضوحا وتمييزا من الكتابة ، وهذا تفسير قريب من قريب ، فالموسيقى صوت ، والخليل مبتكر هذا العلم في تاريخ العرب ، فإذا بنى معجمه عليه فلا غرابة ولا اتهام أنه اقتبس طريقة سبق إليها . وصنع سلمه اللغوي ، واختار أن يصعد فيه من أسفله لا أن يهبط من أعلاه ، ورتب معجمه على الحروف بحسب مخارجها ، فبدأ بحروف الحلق ، لأنه أبعد مخارجها ، ويبدأ بالصعود تدريجا حتى تنتهي إلى الشفة وجعل ترتيب الحروف هكذا : ع ، ح ، هغ ، خ ، ق ، ك ، ج ، ش ، ض ، ص ، س ، ز ، ط ، ت ، د ، ظ ، ذ ، ث ، ر ، ل ، ن ، ف ، ب ، م ، و ، ي ، أ . وسمى كل حرف كتابا ، وافتتح معجمه بحرف « العين » وسماه كتاب العين ، فكتاب الحاء ، فكتاب الهاء ، فكتاب الغين ، فكتاب الخاء وهكذا ، وأطلق اسم كتابه الأول وهو « كتاب العين » على المعجم كله لاستهلاله به . وتتبع الخليل أبنية كلام العرب تتبعا علميا دقيقا ، وحصرها بين الثنائي والخماسي ، وفصل الألفاظ المعتلة جاعلا الهمزة من حروف العلة ، مفردا لها بابا بعد أبواب الثلاثي ، ذكر فيه الثنائي المضاعف المعتل والثلاثي المعتل بحرف ، والثلاثي اللفيف ، وفرق الأبنية على كل باب ، مبتدئا بالثنائي المضاعف ، فالمضاعف الثلاثي الصحيح ، فالمضاعف الثلاثي اللفيف ، فالرباعي والخماسي ، وجعل الأخيرين في باب واحد لقلة الألفاظ التي وردت منهما ، وأشار للمستعمل والمهمل في أبنية الثنائي والثلاثي ، أما الرباعي والخماسي فأغفل الإشارة إلى المهمل منهما ، لأنه فوق الحصر . وابتكر بعد هذا كله نظاما آخر اتبعه بعض العلماء ممن جاء بعده وألفوا معجمات لغوية ، وهذا النظام يقوم على ذكر الكلمة وقلبها إلى كل وجه بحيث يتالف من مقلوباتها كلمات ، ويذكرها جميعا في موضع واحد ، فكلمة « الضرم » ذكرها في حرف الضاد ، وقلبها حتى تولدت منها هذه الكلمات : ضمر ، مرض ، مضر ، رمض ، فإذا لم يستعمل العرب شيئا من هذه الاستعمالات أشار إليه ، وإذا جاء إلى كتاب الراء والميم أغفل ذكر الرضم والرمض والمضر والمرض لأنه ذكرها في كتاب الضاد . وزاد على هذا أنه يذكر كل نوع من الصحيح والمضاعف والمهموز والمعتل على حدة ليميز كل نوع من غيره . ( 1 ) ولمنهج الخليل موقع عند من يرى أن الكلمات المشتركة في الحروف - وإن اختلفت في الترتيب - تشترك في المعنى أو المصدر الذي تتفرع منه ، وهذا يدل على أن الخليل عني بالتفسير الاشتقاقي للمواد التي يتناولها ، ولم يقف عند شرح المادة ومقلوباتها وفروعها على طريق الاشتقاق الأكبر ، بل كان يذكر في كل أصل ما تفرع عنه على طريق الاشتقاق الكبير ( 2 ) ، ويعد الخليل أسبق من ابن فارس وابن جني إلى فهم الاشتقاق الكبير ، وهو دلالة الحروف في كلمة من الكلمات - على اختلاف ترتيبها وتركيبها - على أصل معنوي واحد . ( 3 ) ومنهج الخليل ليس سهلا ميسور الاتباع ، بل فيه عيوب ، وصواه لا تهدي ، بل لا صوى تأخذ بيد الباحث ، وتوصله لمقصده ، لصعوبة ترتيبه ، وخلطه بين الثلاثي المضاعف والرباعي المضاعف ، واختلاط الأصل بغيره ، لذكره الكلمة وما ينشأ عنها بالقلب ، مثل : حرب ، وحبر ، وبحر ، وبرح ، ورحب ، وربح ، ومن الصعب أن يعرف أيها الأصل وأيها المطلوب . ( 4 ) مقدمة لسان العرب . وليس هذا كل ما في منهج الخليل من هنات ، بل ثم هنات أخذها عليه العلماء ، لا تتصل بالمنهج وأصوله وقواعده ، بل تتصل ببعض المواد التي جاءت في كتابه ، مثل : تفرده بذكر كلمات كثيرة لم يسمع ببعضها . وفي « العين » هنات أخرى ، منها : إهماله أبنية مستعملة ، وعدم استيفائه الصيغ الواردة في كلام العرب ، ووجود أخطاء صرفية ، وتصحيف ، وتحريف . وقد أشار ابن منظور في مقدمة اللسان إلى ما يشبه طريقة الخليل في معرض النقد فقال : « كان واضعه شرع للناس موردا عذبا وحلأهم عنه ، وارتاد لهم مرتعا مريعا ومنعهم منه ، قد أخر وقدم وقصد أن يعرب فاعجم ، فرق الذهن بين الثنائي المضاعف والمقلوب وبدد الفكرة باللفيف والمعتل ، والرباعي والخماسي ، فضاع المطلوب » . ( 4 ) وعزا ابن منظور انصراف الناس عن التهذيب والمحكم وإهمالهم أمرهما وعدم الإقبال عليهما ، حتى كادت البلاد تخلو منهما ، إلى سوء الترتيب وتخليط التفصيل والتبويب . الخليل مبتكر لا مقلد زعم بعض الناس أن الخليل كان يعرف غير العربية ، كان يعرف

--> ( 1 ) خطبة الكافي 25 . ( 2 ) فقه اللغة الوافي 278 . ( 3 ) ضحى الإسلام ، لأحمد أمين . ( 4 ) مقدمة لسان العرب .